أحمد بن علي القلقشندي

321

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الثّمين ، وفارسها الأروع وليثها الشّهير ، وابن بجدتها الساقطة منه على الخبير ، وتلادها العليم بأحوالها ، والجدير بمعرفة أقوالها وأفعالها ، وترجمانها المتكلَّم بلسانها ، وعالمها المتفنّن في أفنانها ، وطبيبها العارف بطبّها ، ومنجدها الكاشف لكربها . وحين بلغت من القصد سولها ( 1 ) ، ونالت بالإجابة منه مأمولها ، وحرم على غيره أن يسومها لذلك تلويحا ، أو يعرّج على خطبتها تعريضا وتصريحا ، احتاجت إلى وليّ يوجب عقدها ، وشهود تحفظ عهدها ، فعندها قام السلطان الأعظم الملك الفلانيّ ( بالألقاب السلطانية إلى آخرها ) خلَّد اللَّه سلطانه ، ونصر جنوده وجيوشه وأعوانه ، فانتصب لها وليّا ، وأقام يفكَّر في أمرها مليّا ، فلم يجد أحقّ بها منه فتجنّب عضلها ، فلم تكن تصلح إلَّا له ولم يكن يصلح إلَّا لها ، فجمع أهل الحلّ والعقد ، المعتزين للاعتبار والعارفين بالنّقد ، من القضاة والعلماء ، وأهل الخير والصّلحاء ، وأرباب الرأي والنّصحاء ، فاستشارهم في ذلك فصوّبوه ، ولم يروا العدول عنه إلى غيره بوجه من الوجوه ، فاستخار اللَّه تعالى وبايعه ، فتبعه أهل الاختيار فبايعوا ، وانقادوا لحكمه وطاوعوا ، فقابل عقدها بالقبول بمحضر من القضاة والشّهود فلزمت ، ومضى حكمها على الصحة وانبرمت . ولمّا تمّ عقدها ، وطلع بصبح اليمن سعدها ، التمس المقام الشريف السلطانيّ الملكيّ الفلانيّ المشار إليه أعلى اللَّه شرف سلطانه ورفع محلَّه ، وقرن بالتوفيق في كلّ أمر عقده وحلَّه ، أن يناله عهدها الوفيّ ، ويرد منها موردها الصّفيّ ، ليرفع بذلك عن أهل الدّين حجبا ، ويزداد من البيت النبويّ قربا ، فتعرّض لنفحاتها من مقرّراتها ، وتطلَّب بركاتها من مظنّاتها ، ورغب إلى أمير المؤمنين ، وابن عم سيد المرسلين صلوات اللَّه عليهم أجمعين ، أن يجدّد له بعهد السلطنة الشريفة

--> ( 1 ) أي بلغت مرادها وقضت حاجتها . وأصل السول مهموز عند العرب ، استثقلوا ضغطة الهمزة فيه فتكلموا به على تخفيف الهمز ، والسؤل هو ما يسأله الإنسان . وقريء : قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى بالهمز وبغيره ، أي أعطيت أمنيّتك الَّتي سألتها . سورة طه 20 ، الآية 36 . انظر لسان العرب ( سول ) ومختار الصحاح ( سأل ) .